حبيبتي5
يقولُ نزار….
سمراء…..إنَّ حقولَ التبغ مقمرة…
ولؤلؤ البحر شفافٌ….ومبتكرُ…
حاولتُ وصفَك….فاستعصى الخيالُ معي….
يا من تدوخُ على أقدامك الصّورُ…
الحرفُ يـبدأ من عيْنَيْك رحلته…
كلُّ اللغات بلا عينيك .. تندثرُ…
يا من أحبك….حتى يستحيل دمي….
إلى نبيذ ٍ، بنار العشق يختمرُ….
يسافرُ الحبُّ مثل السّيف في جسدي…
ولم أخطط له .. لكنه القدرُ….
بالفعل… لقد كان القدر….فها هو حبُّها ينمو…و يطغى…ويستشري….حتى استبدَّ بكلِّ خليةٍ حيّةٍ تنبض فيه.. من قمة رأسه حتى أخمص قدميه….
صار يراها في كلِّ الوجوه….
صار يسمعها في كلِّ الأصوات….
صار يجد ريحها في كلِّ النسمات…
حتى صار يُخيَّل إليه….بأنها كلُّ النساء…. وكلُّ النساء هي…ولا وجود إلاّ لها….ولا بقاء لامرأة سواها….
قرّرَ الانقطاع عن الكليّة… لعلّه يحظى ببعض الوقت ليقرأ آلاف الصَّفحات المتراكمة عليه….لم يخترْ الطِّب يوماً… و لكنه فُرض عليه فرضا…
ربما هو القدر مرة أخرى…مرّت أيام التحضير للامتحان الأول صعبة…فقد كان المقرر هائل الحجم بالإضافة لصعوبته…مع ذلك فقد قضى نصف وقته شارد الذهن … هائماً في عالمه الخاص… آه ٍ كم اشتاق لها….لقد مضى أكثر من خمسة عشر يوماً حتى الآن..بقي يومان لبدء الامتحان…لقد كان يمنّي نفسه بأن يراها في اليوم الأول….طيلة الأيام الماضية كان يسترجع صورتها… يسترجع ذاك الحديث القصير الذي جمعهما…يسترجع صوتها الآسر ….ابتسامتها الرقيقة… آه ٍ كم يحبها….
ها هو اليوم الأول….كان الامتحان في الثامنة و النصف…. لطالما كره الامتحانات الصباحية…و الاستيقاظ باكراً… لكنه اليوم على غير العادة استيقظ نشيطاً… مستعداً….دخل قاعة الامتحان… بحث عنها …لم يجدها… و هنا أدرك أن حظه العاثر قد رمى به في قاعة مغايرة لقاعتها
لم يستغرب هذا التصرّف من حظه …. فطالما حرمه من أشياء تمنى فعلها… و ها هو يحرمه من أن يؤدي تحيّة الصباح لمن يُحب…. لمن سلبت لبَّه….لمن أحالت كيانه…
أدّى امتحانه و خرج من القاعة…. و جرى مسرعاً نحو لوحة الإعلانات ليرى رقم قاعتها….تأكد من رقم القاعة و جرى مسرعاً…. كان الطلاب قد بدؤوا بالخروج…. ظلَّ واقفاً أمام باب القاعة حتى خرج المراقبون…. و هنا لم يملك سوى صبِّ اللعنات على حظه العاثر…وقف حزيناً أمام إحدى نوافذ الطابق العلوي التي تطل على لوحة الإعلانات….و هنا بدا أن الحظ بدأ يبتسم له… لم يصدق ما رأى…. فقد كانت تقف أمام اللوحة…رمى ما كان يحمل بيده من أقلام 2B و نزل السلالم مسرعاً….
وصل لوحة الإعلانات… و لكنه لم يجد أحدا… وقف مشدوهاً… لم يدري ما يفعل…. و بينما يتخبط في أحزانه… سمع صوتها… أجل إنه صوتها… لقد كانت تناديه باسمه…. لم يشعر بفرح كما شعر في تلك اللحظة…. استدار ليجدها واقفة أمامه….كانت لوحة في جمالها… لوحة عجز عنها الفنانون…و أبدعت يد الرَّب في تكوينها…..
تبادل و إيّاها بعض الكلمات… سألته عن امتحانه….و عن درجات الامتحانات العملية…كانت ابتسامتها ساحرة…استمر حديثهما بضع دقائق…. بعد ذلك ودعته…. و اتجهت نحو مخرج الكلية…
جلس على أحد المقاعد…. أخذ نفساً عميقاً….تمنى لو أن حظه تجسد بشراً….لا لشيء….فقط ليشكره على حسن صنيعه هذه المرّة….مشى وحيداً في كليّته شبه الفارغة… أحس فجأة بدفء يتسلل إلى عظامه…كانت المرّة الأولى التي يشعر فيها بالدفء في هذه الكلية المقيتة…ربما هو تأثير البشر لا الحجر….اتجه بدوره صوب مخرج الكلية…استقلّ الباص…ركن خدّه إلى النافذة ….ها هو يتأمل المدينة التي طالما كرهها ….وصل البيت ….قرر أن يريح عقله قليلاً….اتجه صوب سريره و غط في نوم عميق…
كما جرت العادة ….. لي عودة….