حبيبتي3
يقولُ ابنُ حزم في طوق الحمامة:” الحبُّ أولّهُ هزلٌ وآخرهُ جد ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصفَ ، فلا تُدركُ حقيقتها إلا بمعاناة ….
” الحبُّ داءٌ عياء وفيه الدّواء منه على قدر المعاناة ، وسقامٌ مستلذٌ وعلّةٌ مشتهاة لا يوّد سليمها البرء ولا يتمنّى عليلها الإفاقة ، يُزيّن للمرء
ما كان يأنفُ منه ، ويسّهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل الطبائع المركبة والجبلّة المخلوقة ” ……
حاولَ أن يفهمَ الحالَ التي وصل إليها…. فهو يشعرُ أنّهُ خُلق من جديد و وُلد من جديد و بُعث من جديد…
تغيّرت نظرته للعالم من حوله… تغيّر تفكيره بالكون…. تغيّر تفكيره باللّون….. انقلب إحساسه فجأة…
صار يحلم بصوت مسموع…. و يبتسم بصوت مسموع….. و يشتاق بصوت مسموع….
صار يضحك بلا سبب…. و يبكي بلا سبب….. و يكتئب بلا سبب…
صار للأغنية معنى…. للكلمة معنى…. للحرف معنى….
حاول إقناع نفسه بأن هذه المشاعر…. ليست سوى مشاعر عابرة… ستزول مع الأيام و لن يبقى لها أثر.. و لكن هيهات…
فقد رأى علامات الحبّ التي وصفها ابن حزم في ” طوقه ” شاخصة أمامه…
فها هو إدمانُ النظر للمحبوب يخطف لبّه و يحيله طفلاً….
فها هو الحبُّ يجعله يضيق بواسع الحياة أحيانا و أخرى قد يجعله يتوسّع ما ضاق فيها أياما…
لقد تيّقن الآن…. إنه يحبّها …. يحبّها…. يحبّها….
ها هي تدخل مختبر التشريح تحمل رداءها الأبيض…. فهذا هو اليوم الأخير في هذا المختبر…نسي ما وضع أمامه من مجسّمات و ظلَّ ينظر إليها لعلّها تنتبه لوجوده….
نظرت إلى المجسّمات الموضوعة أمامها بسرعة…. و خرجت من المختبر….جرت الأمور بسرعة….لم يدري ماذا سيفعل…و لكنه أحسّ جسمه يتحرك…. أجل إنه يمشي وراءها… كانت رجلاه تسبقان الريح في محاولة للّحاق بها…. إلى أن أصبح الفارق بينها لا يتعدى أمتاراً قليلة…
توقفت لإلقاء نظرة على برنامج الامتحان…. قرر أن يتوقف هو أيضاً في محاولة لإجراء أي نوع من المحادثة… و لكنه جَبُن..لم يستطع الحراك من مكانه للوصول إلى لوحة الإعلانات حيث تقف….حاول جرَّ رجليه و لكنه لم يستطع….
ها هي تبدأ السّير مجدّداً… بدأ يصبُ اللّعنات على رجليه و لكن هيهات… كانت قد ابتعدت…في هذه اللحظة بدأت أطرافه كلُّها بالحركة… بدأ يجري في ممرّات الكلية إلى أن أصبح الفرق بينهما عدّة أمتار… ظلّ يتبعها و هو لا يدري مايتوجب عليه فعله…. هل يناديها باسمها الذي طالما ردده في أعماقه… لكن إن ناداها… مالذي سيقوله لها…و بينما هو يتخبط في أسئلته ما هي إلا لحظات حتى وصلت بيتها… كان بيتها قريباً من الجامعة كما بدا…و مرة أخرى بدأ بصب اللعنات على حظه العاثر…
ها هو يعود أدراجه جارّاً وراءه أذيال الخيبة….لم يدري لم جرت الأمور بكل تلك السرعة…… يبدو أن حكمته ” تمسك باليوم ” لم تعد تنفع… يجب عليه أن يخطط…. و هذا ما جرى..
عاد إلى بيته ليتلقى اتصالاً هاتفيّاً من صديقه…. أخبره بأن الجلسة الأخيرة لمقرّر الجنين كانت يوم غد…و أن الفرصة الوحيدة لمراجعة المجسمات هي يوم غد… و هنا بدأ التخطيط…
قرر أن يبدأ حديثاً معها في يوم غد حتى لو كلّفه ذلك حياته….وضع رأسه على الوسادة محاولاً تخيّل سيناريو لما ستكون عليه ردة فعلها حين سيحاول الحديث معها… و بينما هو كذلك… غرق في نوم عميق…
لي عودة….لأستمر بأكلي للهوا… لعلّي أنتهي…